محمد بن علي الشوكاني
3434
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الإكراه ( 1 ) ؛ وهذا الدليل ينبغي التعويل عليه .
--> ( 1 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 10 / 351 ) : ولا يكون مكرها حتى ينال بشيء من العذاب ، مثل الضرب أو الخنق أو عصر الساق وما أشبهه ، ولا يكون التواعد إكراها . أما إذا نيل بشيء من العذاب ، كالضرب والخنق ، والعصر ، والغط في الماء مع الوعيد ؛ فإنه يكون إكراها بلا إشكال . لما روي أن المشركين أخذوا عمارا ، فأرادوه على الشرك ، فأعطاهم ، فانتهى إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبكي ، فجعل يمسح الدموع عن عينيه ويقول : " أخذك المشركون فغطوك في الماء ، وأمروك أن تشرك بالله ، ففعلت ، فإن أخذوك مرة أخرى ، فافعل ذلك بهم " . انظر : " الطبقات " ( 3 / 249 ) و " جامع البيان " للطبري ( 8 / ج 14 / 181 - 182 ) . وقال عمر رضي الله عنه : ليس الرجل أمينا على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته ، وهذا يقتضي وجود فعل يكون به إكراها . فأما الوعيد بمفرده ، فعن أحمد فيه روايتان : إحداهما : ليس بإكراه لأن الذي ورد الشرع بالرخصة معه ، هو ما ورد في حديث عمار ، وفيه أنهم " أخذوك فغطوك في الماء " فلا يثبت الحكم إلا فيما كان مثله . الثانية : أن الوعيد بمفرده إكراه . قال في رواية ابن مصور : حد الإكراه إذا خاف القتل ، أو ضربا شديدا . وهذا قول أكثر الفقهاء . وبه يقول أبو حنيفة والشافعي . شروط الإكراه : أحدها : أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب ، كاللص ونحوه . وحكي عن الشعبي : إن أكرهه اللص ، لم يقع طلاقه ، وإن أكرهه السلطان وقع . قال ابن عيينة : لأن اللص يقتله . قال ابن قدامة : وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع , والذين أكرهوا عمارا لم يكونوا لصوصا ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمار : " إن عادوا فعد " ولأنه إكراه ، فمنع وقوع الطلاق ، كإكراه اللص . الثاني : أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به ، إن لم يجبه إلى ما طلبه . الثالث : أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا ، كالقتل ، والضرب الشديد والقيد ، والحبس الطويل . فأما الشتم ، والسب فليس بإكراه ، رواية واحدة . وكذلك أخذ المال اليسير ، فأما الضرب اليسير ، فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه ، وإن كان في بعض ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا بصاحبه ، وغضا له ، وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره . وإن توعد بتعذيب ولده ، فقد قيل : ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره ، والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله , والوعيد بذلك إكراه . " المغني " ( 10 / 352 - 353 ) ، " المجموع " ( 18 / 209 - 210 ) .